الشيخ محمد رشيد رضا

248

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

خاصة . وروى عن الحسن أن الذين يسارعون في الكفر هم الكفار قالوا المسارعة فيه هي الوقوع فيه سريعا . وقال الأستاذ الامام : المسارعة في الكفر هي المسارعة في نصرته والاهتمام بشؤونه والايجاف في مقاومة المؤمنين ، وما كل كافر يسارع في الكفر فان من الكافرين القاعد الذي لا يتحرك لنصرة كفره ولا لمقاومة المخالف له فيه . والمسارعون المعنيون هنا هم أولئك النفر من المشركين كأبى سفيان ومن كان معه من صناديد قريش ، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم المنافقون ورووا في ذلك روايات في سبب النزول . وإنما يأتي هذا لو قال « يسارعون إلى الكفر » ( إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ) أي إنهم لا يحاربونك فيضروك بذلك وإنما يحاربون اللّه تعالى ولا شك في ضعف قوتهم وعجزها عن مناوأة قوته عز وجل فهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم . أقول : وقد بين هذا بقوله يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ أي إنهم على حالة من فساد الفطرة تقتضى حرمانهم من نعيم الآخرة بسنة اللّه وإرادته فلا نصيب لهم فيها وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فوق عذاب الحرمان من نعيمها ولم يقيد هذا العذاب بكونه في الآخرة فهو أعم كما هو ثابت رقوعا ونقلا بمثل قوله تعالى في المنافقين ( 9 : 101 سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ) فقوله « إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ » تعليل للنهي عن الحزن وقوله « يُرِيدُ اللَّهُ » الخ بيان لكونهم يضرون أنفسهم ولا يضرونه تعالى ، وجعله الأستاذ الامام تعليلا آخر ، إذ قال ما مثاله : فان كنت تحزن عليهم رحمة بهم وشفقة عليهم لأن النور بين أيديهم وهم لا يبصرون ، والهداية قد أهديت إليهم وهم لا يقبلون وتطمع في هدايتهم وترجوها وكلما رأيت منهم حركة جديدة في الكفر ، حدث لك حزن جديد - فعليك ألا تحزن أيضا . هذا ما عندي عن الأستاذ الامام وتركت بياضا في دفتر المذكرات عنه لأتم فيه ما قاله ثم نسيته ولعل معناه أن هؤلاء ممن طبع اللّه على قلوبهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلم يبق في نفوسهم استعداد ما للايمان فلا مساغ للحزن من حالهم . ولكن هذا لا ينطبق الا على من ماتوا على الكفر . فالأظهر أن الآية في مردة المنافقين وإلا فهي في مجموع من كان مع أبي سفيان لا جميعهم . والقول الأول أشد اتفاقا مع قوله تعالى